نثر وكتابات

فقد

 

على نَوْلها في مساء البلاد

تُحاول رضوى نسِيجًا

وفِي بالها كل لونٍ بهيج

وفي بالها أمةٌ طال فيها الحداد

على نولها فِي مساء البلاد

وفي بالها أزرق لَهَبيُّ الحواف

وما يمزج البرتقالَ الغروبيَّ

بالتركوازِ الكريم

وفِي بالها وردةٌ تستطِيع الَكلَام

الاثنين صباحًا ، من نافِذة السيارة أتأمل المطر والسُحب ثم أعود لأُكمل مذاكرتِي استعدادًا لامتحانِ اليوم ، كانت تُمْطِر بشكلٍ خفيف ومُريح رغمَ بُرودة الجو الشدِيدة وبينما أنا كذلِك أتأمل وأذاكر فجأة تذكرتُ رضوى كنتُ قد قرأتْ أنها فِي العناية المركزة فرُحت أدعو لها ، وصلتْ وامتحنتْ وبينما نحنُ فِي محاضرةِ الخلوي التفتتْ فاطِمة نحوِي وقالت بتعابِير حزينة : ” شوفتِي رضوى؟! ”

أجبتُ عليها ” ايوه في العناية تعبانة يا رب تقوم بالسلامة”

رددتْ فاطمة وهي تفرد يديها ” ماتتْ”

أنكرتُ عليهَا بشِدة وأخبرتها بأنها لا تعرف هي فقط مريضة ، أصرتْ وراحت تقُول لي بأن الخبر مؤكد وتمِيم كتب وأشياء كثيرة … وأنا مصْدُومة أحاوُل أن أستوعب ” ماتتْ ” وقتها وددتُ لو أن أضرِب فاطِمة أن أُسْكِتها ” كيف تقولُ بأنْ رضوى ماتتْ هكذا ببساطة وعقلي يُحاوِل أن يُكذِب الخبر كعادتِي ، لقد كنتُ أدعُو لها صباحًا بيقين أنهَا ستُشفى لقد قاومتْ كثيرًا ورضوى جمِيلة وشجاعة ”

الدكتورة تردِدُ أجزاء من المُحاضرة ” السيتوبلازم والاجسام الدقيقة و…. ” وأنا تائِهة كطفلِ تاه عنْ أمه وراح يتخبطْ ، فتحتُ ألبوم (صُور الأبيض والأسود) فِي هَاتِفي ، أقُلب صُور مريد و رضوى وأُحاول تصدِيق تِلك الكلمة ” ماتتْ ” .

رضوى لم تَكن كاتِبة أقرأ كتُبها وأنسى كلماتُها كما أنسى أشياءً كثيرة ، رضوى كانتْ تعنِي لي أشياء أخرى جَمِيلة كانتْ تُعلمُنا تُوجِهُنا …

رحْتُ أتَذكر ذلِك اليوم عِندما أخبرتِني يارا بأنها اشتَرت لِي ثلاثِية غرناطة بعد أن انتهت النُسخ التِي كانتْ بالمعرض ولم أتمكنْ من شِرائها ، أذكرُ وقتها بأنِي فرحت ورحت أردد لِكُل البيت ” يارا اشترتْ لي الرواية ( مازالتْ الرواية على الطاوِلة بجانِب سريري مدونٌ عليها ذكِرى ذلِك اليوم وكلما رأيتها تذكرتُ رضوى ) وأعتبِرها مِن أثمن ما لديّ،وتِلك الليلة عندما كنتُ أغُالب دموعِي لحظة انتهائِي من قراءة الطنطُورية ، كنت أقرأ ليلًا وأقُص على إخوتِي صباحًا ماذا حدث فتنهرُني رفيدة ” حاتحرق لي القِصة عاوزة أقراها ” ، إلى الآن رُقية ومريمة هُم أشحاص حقيقون بِالنسبة لي أتذكرهم أحيانًا .

رضوى فِي كتابِها الأخير ( أثقل مِن رضوى ) كانتْ تودِعُنا وكنت أستمتِع وأتألم بينما تَحكي عنِ الثورة وأمريكا ومرضِها وعن جامعة عين شمس عن تميم ومريد …

اليوم بينَما كُنا نمشِي في الجامعة كانتْ فاطِمة ترْكُل الحصى بِرجلها فتذكرت المقطع الأخِير من كتَابِها الأخير أيضًا ” أستاذة في التنكر أم شخصية مركبة الخلق تجتمع فيها النقائض والأضداد؟ بعد أيام أتمّ السابعة والستين، قضيت أربعة عقود منها أدرس في الجامعة … صار بعض ممن درستهم أساتذة لهم تلاميذ … لا يا سيدي القارئ، لا استعرض إنجازاتي قبل أن أنهي الكتاب، بل أحاول الإجابة على السؤال الذي طرحته في أول الفقرة، لن تنتبه أنني في السابعة والستين، لا لأن الشيخوخة لا تبدو بعد على ملامحي، ولا لأنك لو طرقت بابي الآن ستفتح لك امرأة صغيرة الحجم نسبيًا ترتدي ملابسبسيطة، شعرها صبياني قصير وإن كان أبيضه يغلب أسوده، يكاد يغيبه، ليس لهذه الأسباب فحسب بل لأن المرأة، وأعني رضوى، ما إن تجد الشارع خاليًا نسبيًا، حتى تروح تركل أي حجر صغير تصادفه بقدمها اليمنى، المرة بعد المرة في محاولة لتوصيلها لأبعد نقطة ممكنة، تفعل كأي صبي بقال في العاشرة من عمره يعوضه ركل الحجر الصغير عن ملل رحلاته التي لا تنتهي لتسليم الطلبات إلى المنازل، وعن رغبته في اللعب غير المتاح لأنه يعمل طول اليوم، تأخذها اللعبة، تستهويها فلا تتوقف إلا حين تنتبه أن أحد المارة يحدق فيها باندهاش ”

بعد أن انتهيت من كِتابها الأخير بحثتُ عن مقاطع لها فِي اليوتيوب وشاهدتُها ، دائِمًا ما كنتُ أقرِر فِي داخِلي بأنِي إذا قمتُ بزيارة مصر لابُد أن أرى رضوى فتسألُنِي رفيدة : كيف ؟! أرد عليها بابتِسامة ” سأذهب إِليها فِي شقتهم الجميلة ولا أعلم الكيفية !! ” ثُم أقول لرفيدة مُحاوِلةً البحثْ عن إِجابة ” ينفع ؟!

كنتُ أُفكر كيف سيتحمل مريد وتميم أنْ يعُودوا إلى شقتهم بدون رضوى !!

رحلتْ أمُنا الأديبة الحبيبة رضوى إِذن لأن ما يجعلنا نُصدق مِثل هذه الأخبار الُدموع التي أصبحتْ تزُورنا كثيرًا هذِه الأيام ، رحلت لكِنَ حكاياتُها الجميلة ما زلِت أذكُرها ، للعالمِ أنْ يعرِف حتى بعد مرورِ الكثير أنهُ كان هناك وما زال حبًا بسيطًا جميلًا بين كاتبةٍ وشاعر هُما رضوى ومُريد ..

أحببتُ رضوى وأحبَبها الجميع لأنها كانت تُمثِل وتعنِي لنا الكثير فكيف لو أني جالستها يومًا وابتسمتْ لي ابتِسامتُها الجميلة :))

رحِم الله رضوى وأسكنها في نعيم جنانه وهون على حبِيبيها الفراق والألم ، اللهم آمين ..

* القصيدة لمُريد البرغوثي بعنوان رضوى في ديوانه (طال الشتات )
نص كُتِب بتاريخ 3 ديسمبر 2014
أمسية  رابط لأمسية تميم ومريد يحييان فيها ذكرى رضوى

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s