نثر وكتابات

معلمتي ومريد البرغوثي

فِي ذلك النهار كُنا نحن الثلاثة معًا ، أنا على الكرسي في حصة الفيزياء للصف الأول الثانوي ومعلمتي بدأت بالشرح بعد أن وضعت كتابها لذلك اليوم -رأيت رام الله – على طاولتِي وهكذا اجتمعنا نحن الثلاثة (أنا ومعلمتي ومريد ) في زمن ما قبل 5 سنوات .

مُعلمتِي بِرُوحِها الجميلة كُنا نستعير منها الكتب ونكتب لها آراءنا في الصفحة الاخيرة من الكتاب تقرأ ما كتبنا وتبتسم لنا فرحة في صباح اليوم التالي .
انقضت حصة الفيزياء لِذلك اليوم وأنا اتامل غلاف رأيت رام الله الأخّاذ ، في ذلك الوقت لم أكُن أعرف أين تقع رام الله بالتحديد ولكن جمال الاسم أسرني ، قررتُ أنِي سأستعير الكتاب ، بعد انتهاء الحصة ذهبتُ وأخبرت معلمتي بأنِي أريد أن أقرأ الكتاب ولم تمانع .
الليالي التي تلت استعارتي للكتاب كانت مميزة بجدارة فما إن أنتهِي من واجباتي أهرع إلى رام الله الساحرة وفي الصباح أتركه لأمي لتُكمل قراءتها فيه وهكذا حتى أنهيتُ الكتاب .
مريد الذي حين يكتب يقُودك بالكلمات إلى حيثُ المكان ، انتظرت معه على الجسر وأكلت معه المسخن فِي دير غسانة وبكيتُ معهم حين مات منيف وحينها كتب مريد :
رجُلٌ روؤم

وهو الذِي ظلتْ أُمومتُه تُظلل أمه

ليرى ابتسامتها

ويفزع أن يكون بصوف كِنزتها
ولو خيط حزين

(رأيت رام الله) من الكتب التِي تقروؤها فيبقى منه شيءٌ فيك ، جمالية اللغُة وبلاغة الأسلوب والمأساة والوجع المُحاكان بجانب بعضِهما ، مريد وهو يعود إلى دياره بعد ثلاثين سنة من الغُربة ليجِد عندما يُزيح ستارة نافِذتِه في الصباح مستوطنة أنيقة ! فيكتب :
” الغربة كالموت, المرء يشعر دائما أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين , منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه دائما سواي ”

وأنا صغِيرة كنتُ أرى جدات فلسطين وعلى أعناقهن سلسال بِه مفتاح وخريطة ، لم أكن أفهم ماذا يعني هذا السلسال وذلك المفتاح المعدنِي ، إنه اليقين يعيش بداخِل أرواحِهم أنهم عائدُون يومًا وما زال المنزل الذي تركْنهُ وضفائرهِم منسدِلة على أكتافهن والطعام على قدُور أمهاتهم ، ذلِك المنزل معهم أينما حلّوا .
” كنت أتساءل كلما رأيت الخريطة تحيط بأعناقهن عمّا إذا كانت المواطنة الكندية أو النرويجية أو الصينية تعّلق خريطة بلدها على نحرها كما تفعل نساؤنا ” .

لا يشعُر بألم الغُربة إلا من عايشها وكتب تِلك الرسائل مُحاولًا أن يملأها بالحُب والشوق اللذانِ في قلبه ، فِي الغُربة تُحاول ألا تنسى أسماء الأماكن التِي تحتفظ فيها بالذكريات السعيدة والأليمة ، تُحاول لكي تُبقي جُزءًا من الوطن بِداخِلك وحين تعود تنتابُك غصة فكيف إذا كان هذا الوطن هو فلسطين !
“الطريق إلى دير غسانة نسيت ملامحه تماما…. لم أعد أتذكر أسماء القرى على جانبى الكيلومترات السبعة و العشرين التى تفصلها عن رام الله .. الخجل وحده علمنى الكذب .. كلما سألنى حسام عن بيت أو علامة أو طريق أو واقعة سارعت بالقول إنني “أعرف”…. أنا في الحقيقة لم أكن أعرف…. لم أعد أعرف.
كيف غنيت لبلادي وأنا لا أعرفها ؟ هل أنا أستحق الشكر أم اللوم على أغاني ؟ هل كنت أكذب قليلا؟ كثيرا ؟
على نفسي ؟ على الآخرين ؟
أي حب و نحن لا نعرف المحبوب ؟ ثم لماذا لم نستطع الحفاظ على الأغنية ؟ ألأن تراب الواقع أقوى من سراب النشيد ؟ ”

المُصادفة الجميلة أني كنت قبل قراءتِي لرأيت رام الله أتابع برنامج أمير الشعراء والذي كان تميم مُشارِكًا فيه ، في الصباح أخبرت معلمتي بأن تميم هو ابن مريد ضحِكَت ولا أعلم أكانت تعرف أم لا . مُعلِمتي من الشخصيات التي جعلتِني أقرأ عن فلسطِين وعلمتنِي أن القراءة زادٌ كالأكل والشرب ، عند انتهائي من قراءة الكتاب اشتريت نُسخة لي وأخرى لأختي كهدية وجعلت أغلب عائلتي تقرؤه . لأن الرُوح تحتفظ بشيء جميل مِن كل إنسان أحبته يومًا فإن مُعلمتِي كانتْ روحًا جميلة حقًا : )
طبتِ أينما كنتِ معلمتي ودام قلمك الزاخر مريد .

*الاقتباسات ما بين القوسين من كتاب رأيت رام الله .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s